التلاحم التاريخي المتجذر بين طوائف أرجاء سورية
آخر تحديث GMT09:18:26
 تونس اليوم -

تاريخ التعايش السلمي في مدينة القامشلي

التلاحم التاريخي المتجذر بين طوائف أرجاء سورية

 تونس اليوم -

 تونس اليوم - التلاحم التاريخي المتجذر بين طوائف أرجاء سورية

مدينة القامشلي
دمشق - لامار اركندي

لم تبخل منطقة الجزيرة الواقعة شمال شرقي سورية بسلتها الغذائية من القمح والشعير والعدس على عموم أرجاء سورية وسخت بكرامتها النفطية وآبارها الغزيرة على عصب الحياة الاقتصادية للبلاد، وتصدرت بؤرة التنوع الثقافي الأولى العائدة لـ"3-4"آلاف سنة ماضية، وتميزت مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية، بالتعدد الحضاري للمنطقة التي استمرت بالتماهي داخل بعضها وبالتواصل مع ما سبقتها ولحقتها من ثقافات أغنتها منتجة كماً هائلاً من المعتقدات والأساطير، ففيها دون الخط وعرفت الأبجدية والفن للحضارات الميدية والسومرية والأكادية والإيتانية التي تتالت على حكم المنطقة وتمازجت معها خصائص وطقوس أطيافها المتعددة، والتحمت أعيادها الدينية والقومية كعيد نوروز "رأس السنة الكردية" وعيد أكيدوا السريانية، والأربعاء الأحمر للإخوة الإيزيديين، ورأس السنة الهجرية للمسلمين .

التلاحم التاريخي المتجذر بين طوائف أرجاء سورية

أشار رئيس الجمعية السريانية حنا حنا أنه وعبر مراحل تاريخ التعايش السلمي أعيد بناء الحضارة مجدداً وخلق اليوم شيئاً جديداً وجميلاً لفسيفساء المنطقة بكردها وعربها وسريانها، واستذكر قصة فقدانه لوالديه وهو طفل واضطراره للعيش مع عائلة عمه السرياني، وتعرضه للظلم الذي دفعه لترك بيت أقاربه والانتقال للعيش في كنف عائلة كردية تبنته كأحد أبنائها في قرية "تل شعير" التي تبعد عن قامشلو بضعة كيلومترات .

ويمضي حنا قائلاً :"العائلة اعتنت بوالدي وعلمته, قدمت له الحب والحنان وحرية بقائه معتنقاً المسيحية، وتكفلت بتزويجه من والدتي بعد أن أصبح شاباً، ووزعت أرثها مناصفة بين أبنائها ومنهم أبي الذي توفته المنية قبل حوالي 10 أعوام، غيران ذلك لم يمنع من استمرار علاقتنا مع أعمامنا الكرد حتى الآن".

وتعدّ بهية موسى سيدة سبعينية العمر من أصول أرمنية مقيمة في حارة الأشورية بقامشلو أعادت حقبة مجازر الأرمن التي ارتكبها الأتراك إبان الحرب العالمية الأولى وبعدها وتحدثت نقلاً عن والدها "نظريان جرجس" أحد الأطفال الناجين من المجزرة حينها :"فر جدي جرجس مع جدتي ماري وأطفالهم الخمسة من مدينة قيصرة التركية إثر إعلان الأتراك فرمان الأرمن وقتها وحسب رواية والدي ذو التسع سنوات هربت العوائل الارمنية بعربات تجرها الاحصنة ضمن مجموعات مع بعضها خوفاً من الضياع وتحسباً من وصول الجنود الأتراك إليهم، والوجهة كانت إلى سورية.

وتوفيت جدتي في الطريق وأكمل البقية حتى وصلوا إلى مشارف الشمال السوري، افترقت المجموعات ضماناً لنجاة البعض وتوجهت بعضها صوب حلب وآخرون إلى دير الزور والبقية إلى "عين ديوار" القرية الكردية المطلة على شواطئ نهر دجلة المحاذية لمدينة جيزره من الجانب التركي، وتابعت بهية تفاصيل الحادث المؤلم إثر وصول الجنود الأتراك لمجموعة والدها قبل وصولهم لعين ديوار وانقضاضهم على المدنيين الابرياء ومثلوا فيهم فظائع الذبح والقتل ومنهم الوالد الطفل “نظريان” الذي طعنه أحد الجنود بخنجر ورماه بين الجثث بعد نهبه مقتنياته البسيطة من اللباس وحذائه الأسود الذي نزعه الجندي التركي عنوة من قدمه متمتماً بالتركية "أنه يناسب ابني" آخر ما سمعه نظريان الجريح المغمى عليه.

التلاحم التاريخي المتجذر بين طوائف أرجاء سورية

صراخ الضحايا دفع العنديوريون الكرد من التوجه صوب الصوت لكن بعد فوات الأوان وانسحاب الجنود الأتراك، نظريان الوحيد الناجي بين الجثث التي لم ينفك القرويون من التأكد مراراً آملاً في العثور عن ناجين آخرين، واختتمت بهية رواية الوالد بصوت مخنوق ودموع حفرت مجراها الموجوع على خدود السيدة العجوز وابتسمت قائلة :"والدي تبناه مختار عين ديوار موسى اسماعيل واعتنق نظريان الإسلام عن طيب خاطر وأتقن الكردية لغة عائلته الجديدة التي منحته اسمها وزوجته أحد بناتها وهي أمي "زينب" وبنت له بيتاً ولم تحرمه من ميراث العائلة كبقية أبناء جدي الذي ربى والدي مصطفى اسمه الجديد الذي اختاره هو، أنهم عائلتي وعلاقاتنا ما تزال متينة مع الأبناء والأحفاد وستستمر لأنهم عائلتي.

وكشفت زهرة العلي كردية من قامشلو متزوجة من سمير الجاسم طياوي عربي عن عائلتها التي بنتها بعد قصة حب دامت عامين وكللت بزواج دخل عامه الثلاثين أنجبت خلاله بنتين وسردار وشفكر، وتضيف زهرة :"أولادي يتقنون الكردية والعربية وبنتي الكبرى كردية والصغرى عربية".

ليلى جميل من الحسكة عربية جمعها بولات خالد من قامشلو بعد هيام حب رافقهما طيلة أيام الدراسة في الجامعة في كلية الحقوق قبل 10 أعوام فالجامعة كما تقول ليلى شهدت قصص حب جمعت القلوب ولم تبالي بالأصول والقوميات، فالتعايش السلمي المشترك حالة طبيعية وليست جديدة على المنطقة وهي ما حفظت أمنها وأمانها وكانت بمثابة الرادع في وجه النعرات الطائفية والقومية التي عصفت في العديد من المناطق السورية بعد عسكرة الثورة السلمية.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التلاحم التاريخي المتجذر بين طوائف أرجاء سورية التلاحم التاريخي المتجذر بين طوائف أرجاء سورية



GMT 11:28 2021 الخميس ,09 كانون الأول / ديسمبر

وزير الداخلية يؤكد أن الوضع الأمني في تونس مستقر

GMT 18:08 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:44 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

كمال الشناوي

GMT 13:21 2013 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

الصراع الطائفي بين العلويين والسنة يطارد القرى السورية

GMT 08:58 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

"التوحيد"تجدد مطلبها بتبادل سجنائها بدبلوماسيي الجزائر

GMT 12:45 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

أفضل 10 كتب جديدة تفتتح بها 2021

GMT 17:29 2015 الأحد ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

جمعية عمومية استثنائية لانتخاب رئيس جديد للمغرب الفاسي

GMT 12:21 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

"بيت المدى" يتذكر سيرة سانحة أمين زكي أول طبيبة عراقية

GMT 20:41 2013 الجمعة ,12 إبريل / نيسان

"دبيب" ديوان جديد للشاعر العراقي فاروق سلّوم

GMT 01:59 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

ولاء الشريف تبدي سعادتها بنجاح مسلسل "أبو العروسة"

GMT 18:02 2014 الثلاثاء ,12 آب / أغسطس

جيهان عبدالله تستضيف بشرى في "أجمد 7 الساعة 7 "

GMT 01:21 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

الفنانة الشابة هنا الزاهد تكشف سعادتها بـ"عقدة الخواجة"

GMT 13:53 2015 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

إمبولا ينضم رسميًا إلى صفوف فريق نادي "بورتو"

GMT 09:58 2012 الأربعاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

أسقف الجزائر يعتبر إحياء عيد الميلاد "دليل حرية المعتقد"
 
Tunisiatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday
tunisiatoday tunisiatoday tunisiatoday
tunisiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931, Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
Beirut, Beirut Governorate, 1107 Lebanon