ياسر عبد اللطيف يقدم إحدى قصائده الرائعة
آخر تحديث GMT09:18:26
 تونس اليوم -

ياسر عبد اللطيف يقدم إحدى قصائده الرائعة

 تونس اليوم -

 تونس اليوم - ياسر عبد اللطيف يقدم إحدى قصائده الرائعة

قصيدة ياسر عبد اللطيف
القاهرة ـ العرب اليوم

في قصر صغير أبيض، وفي الطابق الثاني، قاعة طعام دبلوماسية ترى البحر من نافذة عريضة. والسماء زرقاء صافية تحتها البحر بزرقة أعمق، ولا أثر للشارع وضجيجة يبدو من خلف الزجاج المحكم. والموج يتكسَّر في البعيد بقاع من الأبيض تُرقِّش الزرقة لثوان صامتة ثم تذوب فيها.

أنا في غداء تكريم دُفعة مدرسة الترجمة مع سبع فتيات، والمضيف شيخ فرنسي يتحدث العربية بلهجة أهل دمشق ويقول إنه بدوره مترجم وسيعمل في التو علي ترجمة الرواية الأكثر رواجًا في الشرق الأوسط، وأخذ يثني علي المدينة التي كانت في أحد أطوارها عاصمة للمذهب الأبيقوري الذي ينتمي إليه بالروح والجسد.

لاحظت أن الفتيات، وبعضهن من بنات جلدته يخاطبنه بـ يا خالتي، فقلت لنفسي، أنا الرواقي بالسليقة، ما أطيب حضورهن ولو كسياج يحول بيني وبين ثرثرته الثقيلة.

وجلست صامتًا أرقب التفاصيل والاستدارات وغرقت في خطط مستقبلية، حتي جاء الخادم بالطعام: أرز أبيض شاهق البياض وملوخية خضراء تفور بزبد فاتح فوق سطحها الداكن صنعها  في غير إتقان طاه مستشرق من صفحتها برز رأس أرنب مسلوخ جوهرتا عينيه في محجريهما تتطلعان عبر النافذة إلي الضفاف البعيدة.

زيارةٌ أخري إلي بُرج السراب
تقطنُ في الطابق الثاني عشر
وتقطنُ هناك أيضًا
أصابعُها الحكيمة المنسابة
وشعرها الرمادي
وأعوامها الستون.
للبرج ستة مصاعد
ثلاثة علي يمين البهو
ورخام الأرضية كسنّ الفيل
يشعّ رطوبةً
فيذوي ضوءُ النهار عليه
حتي تبتلع الظلالُ
وقعَ أقدامٍ تتسحَّب
وثلاثة علي اليسار.
 
بالمِرصاد بوّابون
يجعلُ من بين أيديهم سدًا
ومن خلفهم سدًا
وينسلُّ داخلًا
بأعوامِه الثمانية والعشرين
كلّ مرة مصعد
مختلف
في أي الجناحين لا يهم
فالبسطتان في الطوابق تلتقيان
وكلاها يقود إلي المآل.
يرتقي صندوقُ الخشب والزجاج
نفقَه الرأسي
وما من ضوء في آخره سواها
وكلما تقدم المصعد طابقًا
غاص في طيات ظلام لحيم.
الرحلة تتكرر في عودٍ أبدي
التسلل غيابٌ
والارتقاء
وهي الليل في استطالته.
لا يتذكر بابًا ينفتح
ولا ستائر تُرخي أو تنسدل.
تُجلِسه علي مقعد صغير
وتفيضُ عزائم وتعاويذ
تفتح كوّات في الظلام
فيتعدد
كأصفار تنقسم.
مساحة خضراء
 واقفان في شرفتها العالية
نُطلّ علي المتنزّه. تقول:
لا طيورَ تحلق في سماء هذه المدينة
لكنّها فوق ذي الحدائق تجد مجالًا للنَفَسِ.
أشجارها الكثيفة تقوِّض كهرباء البنايات
فترِفُّ أجنحتها في هواء طري
انظر!
نري عصافير صفراء
ويمامًا يهدل، يحطّ بجوار برك نائمة
تلتمع الشمسُ علي أسطحها
وتنطفئ علي أوراق اللوتس العريضه.
أقول:
مخطئةٌ أنتِ
فخارج حدود سماء الحديقة
حِدآن ورخمات
تحلّقُ فوق المدينة بأسرها
وفي أعالٍ شاهقة
لتُفلتَ من التيارات المشحونة
والأزيز المُمغنط للغوِنا.
انظري!
تحوّم سوداءَ وهائلة
ولا جثة نافقة في الأفق
إلا المدينة نفسها.
لكنّها طيور أيضًا يا عزيزتي
وإن أكلت الجيف.
موهبة
الأغاني التي صغتها عبر السنين
من نثار كلمات حائرة
تطنّ في أذنيّ قبل النوم
كالعمل الرديء.
تلحُّ
في هذيان الحمي
فترجح كفة غثاثتها
أمام كفة الحياة
في ميزان الحرارة.
 
أغان مثقوبة
لا شيء وراءها
سوي طهو الكلمات
في عجين لغوي
يلتمس ألحانًا ضالة.
 
إيقاع ينفجر
خلف كلّ كلمة
ليُبطِلَ فعلها
كزرّ ينقرُ عصب المعني
في سديم جهاز معطل
فيزداد العطل كثافةً.
 
وكل إيقاع ينفجر عيدٌ
بأضحيات فوق محارقها
ونساء يغرقن في نهر
وفلاحين يقطعون صخرًا
في محجر
تحت شمس تبث دفأها
لأُناس علي الجهة الأخري من اليوم
يحتفلون بعيد آخر.
 
وبعد كل انفجار
تهمد حزمة من العُصاب
وتنصرف الأسنان عن صريفها
ويسترخي الفكُ علي الفك
ِفتسقط كلمةٌ علي الأرض
كُريةً مدماة
تُفسح الطريق لانفجار التالية
 
بعد اختمارها.
جئناك بالهُراء
أيها العالم يا حُبي!

 

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ياسر عبد اللطيف يقدم إحدى قصائده الرائعة ياسر عبد اللطيف يقدم إحدى قصائده الرائعة



GMT 11:28 2021 الخميس ,09 كانون الأول / ديسمبر

وزير الداخلية يؤكد أن الوضع الأمني في تونس مستقر

GMT 18:08 2020 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 14:44 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

كمال الشناوي

GMT 13:21 2013 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

الصراع الطائفي بين العلويين والسنة يطارد القرى السورية

GMT 08:58 2012 الإثنين ,03 كانون الأول / ديسمبر

"التوحيد"تجدد مطلبها بتبادل سجنائها بدبلوماسيي الجزائر

GMT 12:45 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

أفضل 10 كتب جديدة تفتتح بها 2021

GMT 17:29 2015 الأحد ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

جمعية عمومية استثنائية لانتخاب رئيس جديد للمغرب الفاسي

GMT 12:21 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

"بيت المدى" يتذكر سيرة سانحة أمين زكي أول طبيبة عراقية

GMT 20:41 2013 الجمعة ,12 إبريل / نيسان

"دبيب" ديوان جديد للشاعر العراقي فاروق سلّوم

GMT 01:59 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

ولاء الشريف تبدي سعادتها بنجاح مسلسل "أبو العروسة"

GMT 18:02 2014 الثلاثاء ,12 آب / أغسطس

جيهان عبدالله تستضيف بشرى في "أجمد 7 الساعة 7 "

GMT 01:21 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

الفنانة الشابة هنا الزاهد تكشف سعادتها بـ"عقدة الخواجة"

GMT 13:53 2015 الأربعاء ,01 تموز / يوليو

إمبولا ينضم رسميًا إلى صفوف فريق نادي "بورتو"

GMT 09:58 2012 الأربعاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

أسقف الجزائر يعتبر إحياء عيد الميلاد "دليل حرية المعتقد"
 
Tunisiatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday
tunisiatoday tunisiatoday tunisiatoday
tunisiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931, Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
Beirut, Beirut Governorate, 1107 Lebanon