داعش سيضرب ويتركنا لسجالاتنا

داعش سيضرب ويتركنا لسجالاتنا

داعش سيضرب ويتركنا لسجالاتنا

 تونس اليوم -

داعش سيضرب ويتركنا لسجالاتنا

عريب الرنتاوي

يتساءل كثيرون عمّا إذا كانت “داعش” قد غيّرت استراتيجيتها، إذ قررت استهداف “العدو البعيد” بعد أن ظلت طوال سنوات التأسيس الأولى تستهدف “العدو القريب”، وما إذا كانت نظرية “التمكين” قد استنفذت أغراضها بعد أن انتقل التنظيم من مرحلة “البقاء والتمدد” إلى مرحلة “الانكماش والتآكل”... وماذا يُقصد أصلاً بـ”التمكين”؟ ... هل هو حصر الجهاد في حدود “دولة الخلافة” وترك ساحاته العالمية، أم أن المسألة “مسألة وقت”، يعود بعدها “داعش” لاستئناف ما بدأه زعيم الجهاد العالمي، أسامة بن لادن؟
الثابت أن التنظيم أخذ يفقد زمام المبادرة، ويعجز عن شن هجمات ذات مغزى، سواء في سوريا أو العراق، حتى أنه دخل مرحلة الانكفاء والارتداد عن مساحات واسعة من مناطق سيطرته ونفوذه، في ظل تقدم متعدد المسارات يحققه خصومه في البلدين: البيشمركة والجيش العراقي على جبهتي سنجار والأنبار، وحدات الحماية الكردية والجيش السوري، على جبهات ريف حلب، الحسكة ودير الزور.
لكن من غير الثابت أن التنظيم كان قرر عن سبق الترصد والإصرار الامتناع عن تنفيذ عمليات إرهابية خارج مناطق سيطرته، وحصر الجهاد في حدود “دولة الخلافة”، بعيداً عن جبهات القتال المباشر التي يخوضها مع عدة جيوش محلية وإقليمية ودولية ... لم أتقبل هذه النظرية التي روّج لها بعضٌ من “خبراء” الحركات السلفية والإسلامية والجهادية، ولطالما رأيت أن امتناع التنظيم عن شن هجمات في الخارج، إنما يعود لأسباب لوجستية وعملانية، وليس لأسباب تتصل باجتهاد خاص أو بنظريات واستراتيجيات مغايرة لما اعتاد أسلاف التنظيم على فعله.
بل أبعد من ذلك، فقد ساجلت في هذه الزاوية بالذات، بالقول: أن التنظيم المشتبك مع تنظيم القاعدة/ الأم، في حرب على الشرعية والتمثيل، تمثيل الحركة الجهادية العالمية، سيعمد ذات يوم، غير بعيد، على توجيه ضربات مؤلمة للغرب، من طراز ما كان مؤسس القاعدة وزعيمها الروحي، أسامة بن لادن، يفعل ويخطط ويمول ويأمر ... ذلك أن شرعية “داعش” و”الخلافة” و”الخليفة” لن تكتمل من دون القيام بأعمال على هذه الشاكلة وذاك الطراز.
لكنها “مسألة وقت” لا أكثر ولا أقل، و”وقت” داعش منذ انطلاقتها، كان من دم، “وقت” مثقل بالأولويات الضاغطة والحروب التي لا تنقطع على جبهات متعددة ومساحات جغرافية مترامية، وضد جيوش نظامية ومليشيات، براً وبحراً وجواً ... في مثل هذه المناخات، كان من الطبيعي أن يتريث “داعش” في صرف الوقت والجهد على “العمليات الخارجية”، بانتظار استكمال التجهيزات، و”إعداد ما استطاع لأعدائه من قوة “، وعندما توفر للتنظيم ما أراد، خرج يضرب ذات اليمين وذات الشمال.
وفي ظني أن الجدل حول سر اختيار “داعش” لأهدافه وأسباب اختيار هذه العاصمة أو تلك، ليس بأمرٍ ذي مغزى ... وأحسب أن التعليمات التي يمنحها التنظيم لخلاياه وشبكاته إنما يمكن اختزالها في جملة واحدة: “اضربوهم حيث ثقفتموهم”، والمعنى العملي لهذه التعليمات يتجلى في استغلال أية سانحة لتوجيه ضربات مؤلمة لكل من /وما يمكن أن تصل إليه أذرع التنظيم وشبكاته العنكبوتية ... فهو ضرب في تركيا وضرب في لبنان، ضرب روسيا في مصر وضرب في باريس، ولو توفرت له “اللوجستيات”، لما استثنى عاصمة واحدة، من دون أن يتركها ممزقة الأحشاء ... وأحسب أن المبالغة في البحث عن جواب على سؤال: لماذا باريس، ليست في محلها، وكان من الممكن أن يأتي السؤال على شكل آخر: لماذا لندن أو لماذا كوبنهاجن أو سدني أو عمان أو الرباط أو الرياض ... المهم أن يتوفر التنظيم على “الوسائل والأسباب” التي تمكنه من تنفيذ جرائمه.
وأحسب أنه توفر لداعش ما لم يتوفر لغيره من الجماعات والمنظمات الإرهابية، فهو يقيم “خلافته” على مساحة من الأرض تعادل مساحة دولة أوروبية كبرى ، ولديه من المال والخبرات ما لم يتوفر لأسلافه ومنافسيه... وهو استقبل ما لا يقل عن عشرة الاف مقاتل أوروبي، من المؤكد أنه “وفّر” المئات منهم لأغراض “الجهاد” في بلدان المنبع والمنشأ، ووفر لهؤلاء خبرات نادرة في مجال التنظيم والتدريب واللياقة والقدرة على تخطي حواجز التردد والضعف الإنسانية، بما يجعل منهم “ذئاب مستوحشة” وماكينات للقتل العشوائي من دون تمييز ... لم تتوفر لأي من طبعات القاعدة السابقة والحالية، مثل هذه الإمكانيات، ولا شك أن التنظيم نجح في إرسائل العشرات، إن لم نقل المئات من هؤلاء تحت جنح موجات الهجرة واللجوء إلى مختلف بلدان القارة العجوز.
وحتى بفرض نجاح “التحالفين” الروسي والأمريكي في تدمير بُنى “الخلافة” ومؤسساتها على رؤوس أصحابها، فمما لا شك فيه أن التنظيم سيظل قادراً على تنفيذ عمليات إرهابية لسنوات عديدة قادمة، سيما بوجود مصادر تمويل وشبكات دعم وإسناد ممتدة على مساحة أربعين دولة كما قال فلاديمير بوتين في قمة العشرين في انطاليا ... ومع ارتفاع التقديرات الاستخبارية الغربية لأعداد “المجاهدين الأجانب” في صفوفه إلى أكثر من ثلاثين ألفاً، علماً بأن التقديرات المحلية، تُعطي أرقاماً مضاعفة لهذه التقديرات، التي كلما صدرت طبعة جديدة منها، كلما تضخمت أرقامها وتضاعفت.
وسواء أكانت “استراتيجية جديدة” أم استمرار لاستراتيجية داعش القديمة، فإن النتيجة العملية الوحيدة التي تخلص لها مختلف القراءات للمشهد “الجهادي” في الإقليم والعالم، تفيد بأننا سنكون مقبلين على سنوات عجاف من المواجهة مع التمدد السرطاني لهذا التهديد، وليس من المستبعد أبداً أن نستفيق في أية لحظة، على أنباء كتلك التي جاءتنا صادمةً من باريس أو من ضاحية بيروت الجنوبية.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

داعش سيضرب ويتركنا لسجالاتنا داعش سيضرب ويتركنا لسجالاتنا



GMT 07:51 2021 الإثنين ,13 كانون الأول / ديسمبر

السائح الدنماركي... وجولة المستقبل الخليجي

GMT 07:49 2021 الإثنين ,13 كانون الأول / ديسمبر

حجر مصر

GMT 08:29 2021 الأحد ,12 كانون الأول / ديسمبر

في أحوال بعض القوى السياسيّة في لبنان

GMT 08:27 2021 الأحد ,12 كانون الأول / ديسمبر

في بلد استضاف عبد العزيز

GMT 08:42 2021 السبت ,11 كانون الأول / ديسمبر

الدولة الوطنية العربية وتنازُع المشاهد!

GMT 08:36 2021 السبت ,11 كانون الأول / ديسمبر

تركيا تشن حرباً اقتصادية من أجل الاستقلال!

GMT 08:33 2021 السبت ,11 كانون الأول / ديسمبر

إيران: تصدير النفط أم الثورة؟

GMT 08:30 2021 السبت ,11 كانون الأول / ديسمبر

براً وبحراً والجسر بينهما

GMT 08:20 2013 الأحد ,19 أيار / مايو

سأقدم مفاجأة قوية في نهاية "كوك ستوديو"

GMT 14:21 2020 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الجدي الخميس 29-10-2020

GMT 01:05 2016 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

طبعة جديدة من كتاب "الإمام محمد عبده" لعباس العقاد

GMT 00:34 2021 الأربعاء ,06 كانون الثاني / يناير

رغدة تكشف كواليس مشاركتها في مسرحية "بودي جارد" مع عادل إمام

GMT 11:24 2016 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

الدويش يؤكد أن مشاركة محمد أمان مع "الأهلي" قانونية

GMT 23:17 2017 الجمعة ,21 تموز / يوليو

النصر العماني يعلن التعاقد مع حمزة وحمص

GMT 22:24 2018 الخميس ,20 أيلول / سبتمبر

دياز يؤكد أنه سيحتفظ بالقميص رقم "7" طوال حياته
 
Tunisiatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday
tunisiatoday tunisiatoday tunisiatoday
tunisiatoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
tunisia, tunisia, tunisia