بريطانيا من التقسيم إلى الانقسام

بريطانيا... من التقسيم إلى الانقسام

بريطانيا... من التقسيم إلى الانقسام

 تونس اليوم -

بريطانيا من التقسيم إلى الانقسام

بقلم : عريب الرنتاوي

لن تبقى أوروبا بعد قرار البريطانيين الخروج من “الاتحاد” كما كانت عليه قبله ... ولن تبقى بريطانيا التي كانت عظمى ذات يوم، على ما هي عليه بعد الآن... إنه نوع نادر من الألعاب، لا رابح فيها أبداً، ويمكن أن نطلق عليها اسم “لعبة خاسر – خاسر”.

يصعب التكهن من الآن، بتداعيات القرار وتبعاته ... هناك فيض من التكهنات التي لا مجال لاستعراضها ... من الارتدادات الاقتصادية والمالية، التي ستصيب أوروبا عموماً، وبريطانيا على نحو خاص، بأوخم العواقب ... إلى تآكل المكانة والدور السياسيين والمعنويين لكل من الطرفين ... وصولاً إلى سقوط “قوة النموذج” التي طالما جرى استحضارها للدلالة على قدرة شعوب لطالما أزهقت حروبها العابرة للحدود وصراعاتها الأهلية حيوات الملايين من أبنائها وبناتها، للتطلع للمستقبل والعمل المشترك لبنائه لصالح الجميع، والقبول بتسليم بعض عناصر “السيادة الوطنية” طوعاً للإطار الاتحادي الجامع الأكبر.

وستفتح السابقة البريطانية الباب رحباً أمام دولٍ أوروبية أخرى، لطالما انتظرت من يعلق الجرس قبلها، للقفز من سفينة الاتحاد ... لكن من السابق لأوانه الجزم بذلك، فالأمر سيعتمد إلى حدٍ كبير، على الطريقة التي سيخرج بها الاقتصاد البريطاني من “أزمة الانفصال” عن أوروبا ... لكن الأمر المؤكد، أن دولاً أعضاء عديدة، ستسعى في إعادة صياغة شكل ومحتوى علاقاتها بالاتحاد، في محاولة منها للاستفادة من عوائده المجزية، وحجب ما يمكن أن يترتب عليها من مسؤوليات والتزامات، خصوصاً وأن القارة العجوز، تشهد منذ ربع قرن تقريباً، حراكاً بشرياً هائلاً، تمثل في انتقال الملايين من العمال والباحثين عن عمل، من أوروبا الشرقية والوسطى إلى غرب أوروبا، وهو أمر يفوق بسطوته وتأثيراته، تداعيات أزمة اللجوء السوري إلى القارة.

بريطانيا ذاتها، التي اشتهرت زمن الحقبة الكولونيالية بسعيها الدائب لتقسيم الدول والمجتمعات المُستَعمَرة، وزرع بذور الفتن والحروب اللاحقة فيما بينها، من الصين والهند وجوارهما، إلى سايكس بيكو وما تبعها من “وعد مشؤوم” واتفاقات تقاسم نفوذ لاحقة، إلى الفسيفساء الأفريقية التي عاث فيها “المقص البريطاني” تقطيعاً وتوصيلاً ... بريطانيا هذه، تشق اليوم القارة الأوروبية، وتقود مسيرة تفكيك الاتحاد بعد مرور قرابة الستة عقود على تأسيسه.

لكن للقدر سخرياته، فأول ردود الأفعال على نتائج “الاستفتاء البريطاني” جاء من سكوتلاند، حيث يجري التفكير جدياً في إجراء استفتاء ثانٍ عن بريطانيا، بعد إخفاق الاستفتاء الأول عام 2014، وثمة اعتقاد بأن الاستفتاء القادم، قد يأتي بنتائج مغايرة، سيما بعد خروج بريطانيا من عضوية “النادي الأوروبي”، وهو أمر قد يفتح الباب لتفكيك بريطانيا بدورها، وليس لتفكيك الاتحاد الأوروبي وحده.

بعد مائة عام على سايكس – بيكو الذي، سيتعين على بريطانيا العظمى، وليس على دول الشرق الأوسط وحدها، أن تقاتل في سبيل الحفاظ على وحدتها، وإبقاء كياناتها الرئيسة، قطعة واحدة ... على بريطانيا أن تكافح من أجل الاحتفاظ بآخر مظاهر العظمة المرتبطة باسمها وتاريخها، بعد أن غابت شمس الإمبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس.

ما يهمنا في هذا الصدد، هو سؤال كيف ستؤثر الخطوة البريطانية على مواقف لندن وبروكسيل من مشاكل منطقتنا، وهل من الملائم والممكن، الاستمرار بالرهان على دور أوربي فاعل في حل قضايا المنطقة، وبشكل خاص، قضية الصراع العربي – الإسرائيلي.

خلاصة القول، إن أوروبا التي ارتضت وهي موحدة، دوراً تابعاً وتكميلياً للدور الأمريكي في منطقتنا، لن يكون بمقدورها أن تلعب دوراً أكثر فاعلية، بقد أن فقدت أحد مقعديها الدائمين في مجلس الأمن ... والمؤكد أنه سيكون بمقدور واشنطن، أن تمارس دوراً مهيمناً على الدول الثماني والعشرين مجتمعة ومنفردة ... أما الأقطاب الدولية الأخرى، الصاعدة منها على نحو خاص (الصين، روسيا وغيرهما)، فسيكون بمقدورها أن تتمتع بهامش مناورة أوسع مع كل من أوروبا وبريطانيا على حد سواء.

arabstoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بريطانيا من التقسيم إلى الانقسام بريطانيا من التقسيم إلى الانقسام



GMT 18:13 2021 الإثنين ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

عبدالله بن زايد في دمشق: ما الذي حمله في جعبته؟

GMT 14:13 2021 السبت ,10 إبريل / نيسان

بعد العاصفة، ما العمل؟

GMT 14:38 2021 الخميس ,08 إبريل / نيسان

إيران وإسرائيل و"حرب السفن"

GMT 14:41 2021 الثلاثاء ,06 إبريل / نيسان

مدرستان في التفكير الإسرائيل حيال الأردن

GMT 15:57 2021 السبت ,03 إبريل / نيسان

الانتخابات الفلسطينية (1-2)

GMT 09:45 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

20 عبارة مثيرة ليصبح زوجكِ مجنونًا بكِ

GMT 07:31 2017 الإثنين ,30 تشرين الأول / أكتوبر

ابتكارات شبابية تحيي عالم الموضة في "الفاشن فورورد"

GMT 13:36 2017 الأحد ,30 إبريل / نيسان

هاني شاكر وريهام عبد الحكيم نجما حفلة "MBC مصر"

GMT 06:08 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

سيارة "كاديلاك XTS"ضمن مجموعة فاخرة

GMT 09:32 2017 الخميس ,26 تشرين الأول / أكتوبر

إطلالات مريحة من وحي الفاشنيستا ريم الصانع

GMT 13:15 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

"علي معزة وإبراهيم" يشارك في مهرجان جونيه السينمائي

GMT 08:10 2021 السبت ,17 إبريل / نيسان

افكار لتزيين المنزل بواسطة فوانيس رمضان

GMT 02:16 2020 السبت ,10 تشرين الأول / أكتوبر

رامز أمير يتألق في جلسة تصويرية جديدة

GMT 15:58 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

المرأة في رؤية Guo Pei لشتاء 2018

GMT 10:55 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة
 
Tunisiatoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday Tunisiatoday
tunisiatoday tunisiatoday tunisiatoday
tunisiatoday
Pearl Bldg.4th floor 4931, Pierre Gemayel Chorniche, Achrafieh Beirut - Lebanon
Beirut, Beirut Governorate, 1107 Lebanon